الهمسة الأخيرة: همسات من الأبناء الى الآباء

Envelope, Letter, Paper, Magic, Hogwarts, Wizard, Love

أمي الحبيبة، أبي الغالي

أنا أحبكما لكن لا أريد أن أكون نسخة منكما أو نسخة لأحلام لم تحققوها. دعوني أرسم مستقبلي بفرشاتي وألوان شخصيتي.  علماني معنى أن يكون لحياتي معنى و أن تكون لحياتي رسالة. كونا قدوتي. دعوني أتعلم من مساركما الخاص في الحياة

أنا أشبهكما في خِلقتي وخُلقي و بعض طباعي لكن لي شخصية تميزني و لي مواهب وقدرات و أحلام خاصة بي. ساعداني على تكوين شخصيتي المستقلة وعلى استكشاف مواهبي وقدارتي. علماني كيف أكون مسؤولا عن قراراتي وأفعالي

 شاركاني فرحتي فأجمل لحظات سعادتي عندما أحس أنكما تفرحان لفرحي

 عندما أحزن أحتاج حنانكما. علماني أكيف أعتبر من حزني. ازرعا في قلبي وعقلي قيمة الصدق. علماني الصدق في القول والعمل والصحبة والمشاعر والمعاملة والتفكير. كونا قدوتي. علماني الصدق مع نفسي

أنا أحمد الله أن جعلني في حضنكما. حفظكما الله لي

علماني كيف أشكركما بالقول والعمل. علماني كيف أكون ممتنا ومعترفا بالجميل لا ناكرا له. أعلم أنكما توفران لي كل ما أحتاجه . لكن لا تحرماني من معرفة قيمة العمل. أنا أستطيع أن أساعد في القيام ببعض أعمال المنزل. أريد أن أحس بالمسؤولية. أحب أن أكون فاعلا. أليس العمل عبادة. فكما علمتماني ديني، علماني دنياي. عندما يشتد ساعدي و أصبح طالبا جامعيا أريد أن أخوض غمار عالم البالغين. أريد أن أعمل عملا صيفيا أو انخرط في عمل جمعوي. الحياة ليست سهلة وعلي أن أكون مستعدا

لم أر أرحم منكما. إذا مرضت تعهدتماني بالرعاية. إذا أخطأت صوبتما خطئي برفق. ترحماني على الدوام. حفظكما الله ووفقني الى رد جميلكما. إذا أسأت التصرف فعلماني معنى تحمل المسؤولية فذلك يجعلني أفهم خطئي. لا تمنعكما المحبة من تقويم زللي حتى أعتبر

ربيتماني على الدين القويم. دين الفطرة. غرستما في روحي ووجداني الأخلاق الفاضلة. علمتماني أن الصلاة صلة بيني وبين خالقي وأن غاية التدين التحلي بالصفات الحميدة والتخلي عن الصفات الذميمة. علمتماني أن الخلق تُترجمه الأقوال والأفعال. تعلمت منكما أن حب الوطن من الإيمان وأن من لا خير فيه لوطنه لا خير فيه لأهله و ذويه

أتذكر دائما قولكما : الوقت من ذهب. تعلمت منك يا أبي أن احترام المواعيد قيمة

تعلمت منك يا أمي أن لكل شيء وقتا. علمتماني أن الوقت رأس مال الحياة لا نضيعه في ما لا يفيد

تعلمت منكما أن الحوار استماع و فهم و تواصل. شجعتماني على أن أعبر عن ما يخالج صدري. أحس أنكما صديقان قريبان مني لا تفرضان علي آرائكما بل توجهاني بكل رفق إلى اتخاذ القرار الصائب

أريد أن أعيش في أسرة سعيدة. احرصا على أن يسود بينما جو التضامن والمحبة و التراحم و الاحترام المتبادل. أعلم أنكما تطمحان أن أكون متزنا نفسيا. أبعداني عن جو التوتر والعصبية و الغضب. شاركاني لحظات الفرح والسرور

.اعلما أنكما قدوتي في كل شي. أحبكما دائما 

الهمسة الخامسة عشرة: القدوة الخفية

…قال : أشكرك صديقي على النصائح التي أنارت لي الطريق السليم في تربية الأبناء

قبل أن نفترق هل من نصيحة أخيرة؟

…قلت: تربية الأبناء بحر

…وما قلته لك غيض من فيض قصدت أن أنهج فيه منهج التبسيط حتى تعم الفائدة

…نصيحتي الأخيرة لك صديقي العزيز أن تعرف أن القدوة ركن التربية السليمة

…و القدوة تكون بالقول و الفعل و الحال

…هذا معنى القدوة التي نجسدها لا نشعر بها ولكن أبناءنا ينهلون منها باستمرار

…كلما صدر منا سلوك ما فأبناؤنا يراقبوننا … فعلينا الالتزام بصالح الاعمال

كلما تكلمنا فأبناؤنا ينصتون إلينا … فعلينا تحري الصدق و اللين و الحكمة  في أقوالنا

…كلما اعترانا حال من الاحوال كالفرح و الحزن و الغضب فأبناؤنا يتأثرون بأحوالنا

علينا أن نتحلى بالاعتدال و الرفق في أحوالنا

قال: وفقني الله وإياك لأن نكون قدوة لابنائنا 

…قلت: شكرا على حسن استماعك لقد استمتعت بمجالستك

الهمسـة الرابعة عشرة: صيغة المتعة داخل أسرنا

… قلت : دعني أحدثك عن السعادة الأسرية

…. الأسرة السعيدة أرض خصبة تنُبت أبناء سعداء

…السعادة داخل الأسرة لها ظاهر و باطن

…قال: ظاهر و باطن! اشرح لي جزاك الله خيرا

قلت : باطن السعادة انسجام أفرادها في ما بينهم و احترامهم لما يجمعهم من قيم المحبة والرحمة والتكافل والتضامن واحترام خصوصية كل فرد

…أما ظاهرها فصيغة المتعة البادية على أفرادها

…حياة تتخللها ابتسامات ولحظات من المرح و اللعب و المتعة

…الطفل الذي ينشأ في أسرة سعيدة بهذا المعنى يكون متزنا نفسيا و اجتماعيا

قال : وكيف السبيل إلى تحقيق هذه السعادة؟

… قلت: ما تكلمنا عنه في الهمسات السابقة يا صديقي خطوات نحو أسرة سعيدة

… البداية تكون بالوعي بأن تحقيق السعادة اختيار و قرار و مسؤولية و أسلوب حياة

الهمسة الثالثة عشرة : الحوار بين الآباء والأبناء

قال : كيف نخلق ثقافة الحوار في أسرنا ؟

… قلت: لكي نربي أبنائنا على الحوار يجب علينا أولا أن نتعلم كيف نستمع لهم

…علينا أن نعودهم على الإقبال علينا، وعلى فتح قلوبهم لنا

قال: وكيف يتأتى ذلك؟

…قلت: يتأتى ذلك إذا أحسوا بالثقة و الأمان معنا

…عندما نستمع لهم لا نتسرع إلى تقديم النصح بل نسألهم لمعرفة ما يخالجهم

…كلما تكلم أبناؤنا تعرفنا على شخصياتهم وتسنى لنا أن نرشدهم دون توجيه مباشر

 …إذا أثقلنا كاهلهم بالنصح و الوعظ عزفوا عن الحديث معنا ومكاشفتنا بما في دواخلهم

…اعلم يا صديقي أن أدب الحوار و الاستماع ينتقل إلى الأبناء بالقدوة

 فعلينا أن نتحاور كأزواج وكبالغين وأن نحترم اختلاف المواقف و نسلك أدب الحوار الهادئ

قال: بعض الآباء يقولون أن طريق الحوار طويل… وأن الأنجع هو توجيه الأبناء بالوعظ والإرشاد 

قلت : هم محقون في قولهم!  الحوار يستدعي صبرا و مثابرة لكن ثمرته المتمثلة في استقلالية شخصية أبنائنا و قدرتهم على اتخاذ القرارات الصائبة والتفكير الرزين مضمونة على المدى البعيد

 …فلما نضحي بثمرة الحوار مقابل مصادرة حق أبنائنا في التفاعل معنا

…ثم إنهم يكبرون فكلما كبروا كان الحوار هو الجسر الذي يضمن التواصل بينا وبينهم 

الهمسة الثانية عشرة : أبناؤنا والمال

قال : حدثني عن المال؟ كيف نعلم أبناءنا قيمة المال؟

…قلت: المال وتربية أبنائنا نعمة أو نقمة

… المال قيمة و إذا فَصَل أبناؤنا المال عن قيمته أصبح المال نقمة

 …قيمة المال مرتبطة بقيمة العمل

…علينا أن نعلم أبناءنا أن المال مُقابل للعمل …ولذا علينا أن ننفقه بعقلانية

 …علينا أن نعلمهم أن المال وسيلة و ليس غاية في ذاته

قال : و ماذا عن إعطاء الأبناء المال كهدية أو مكافأة على سلوك جيد أو علامة

دراسية حصلوا عليها؟

…قلت: لا بأس بذلك … لكن حذار أن نجعل سلوكات أبنائنا مرتبطة بالمكافأة المادية

…أبناؤنا في حاجة إلى تَمثُّل المكافأة المعنوية لتصرفاتهم الجيدة

المكافأة المادية لا يجب أن تكون شرطا للسلوك الجيد و إلا أصبح أبناؤنا مبرمجين على إبداء السلوك المرغوب بهدف الحصول على المكافأة. فإذا غابت المكافأة أساؤوا التصرف

 …قال: العديد من الآباء يقعون في هذا الشَّرَك

قلت: عندما يكبر أبناؤنا أي عند وصولهم إلى المرحلة الجامعية نشجعهم، إن أمكن ذلك، على كسب المال بالقيام بعمل صيفي أو موسمي  يناسب أعمارهم ، يعلمهم قيمة العمل وقيمة المال المكتسب من العمل

كل الخير يأتي من أن يعرف أبناؤنا أن المال ثمرة العمل و الجد و الكد…

الهمسة الحادية عشرة: كلام في قيمة الوقت

قال : حدثني عن قيمة الوقت وكيف نعلم أبناءنا تثمين الوقت؟

…قلت: سألتني عن قيمة عظيمة 

…الوقت يا صديقي رأس مال الحياة

…من أحسن استثماره جنى ربحا كبيرا من حياته

…نربي أبناءنا على احترام الوقت باحترام مواعدنا معهم

نربي أبناءنا أن لكل نشاط يقومون به سواء كان لعبا أو خدمة أو واجبا دراسيا وقت خاص به

فلكل أمر وقت، فهناك وقت للعب ووقت للعمل ووقت للاستجمام ووقت للاستحمام ووقت للنوم … وقت للكلام ووقت للاستماع وقت للتفكير ووقت للإنجاز

…كل الخير يأتي من أن نربي في أبنائنا مهارة التخطيط لوقتهم 

وكل الشر يأتي من أن نكون قدوة سيئة بتضييع أوقاتنا و عدم التزامنا بمواعدنا

قال : القدوة أصل التربية

قلت: نعم القدوة أصل التربية

…فعلينا أن نعمل جاهدين على أن نجسد القيم التي نريد أن نرى في أبنائنا والله الموفق

الهمسة العاشرة : التربية على محبة الوطن

قال : ما بال هذا الجيل أصبح مهووسا بالغرب و ثقافته و أَمَلُه أن يهاجر و يعيش خارج حدوده؟

  …قلت: منطلق ذلك أننا لا نربي أبناءنا على حب الوطن

قال: وكيف نربيهم على ذلك ؟

 قلت: اعلم يا صديقي أن حب الأوطان من الإيمان كما قيل، أي أنه يشكل نضجا روحيا للشخص

 …فحب الوطن أثر لحب الخير للآخرين

…أليس الوطن حضنا يضمنا جميعا

…يبدأ حب الوطن بحسن الجوار

 نربي أبناءنا على حسن الجوار، ثم نربيهم على محبة حيهم والحفاظ على نظافته

…وعندما يكبرون نشجعهم على المساهمة في رقي حيهم

…نحدثهم عن تاريخ وطنهم

…وكيف أن للوطن خصوصية دينية وثقافية و سياسية

نستغل أسفارنا مع أولادنا في أرجاء الوطن من أجل التعريف بمختلف الجهات و بالتنوع الثقافي الذي يميزها

كل الضرر يأتي من أن لا نغرس حب الوطن في نفوس أبنائنا و نلومهم لاحقا على رغبتهم في الهجرة منه

…قال: والله نبهتني إلى أمر عظيم

 …قلت: من لا خير فيه لوطنه لا خير فيه لأهله وذويه

الهمسة التاسعة : تربية أبنائنا على التدين الصادق

…قال : ما ذكرته من القيم جليل … الدين حدثنا عنها

  …قلت: أجل، ديننا الحنيف يدعو لهذه القيم

كل هذه القيم منشؤها الفطرة والدين فطرة

قال : أولا نتعلم ديننا وأحكامه؟

قلت: بلى… الدين علم و تربية و الغاية منه التحلي بالأخلاق… والأخلاق منبعها الفطرة السليمة

قال: وكيف نربي أبناءنا على الأخلاق الفاضلة؟

قلت : القدوة الصالحة أصل ذلك… نعلمهم من الصغر أن الدين غذاء الروح… وأن الصلاة صلة بين العبد وربه… وأننا في حاجة إلى شحن بطاريتنا الروحية باستمرار

نربيهم على أن العمل مرآة التدين الصادق… و أن النية الصالحة عمل… نوجه نيتهم للعمل الصالح و نكون قدوة لهم في التحلي بالأخلاق السجية

قال: وكيف نحمي أبناءنا من الغلو في الدين؟

قلت: إن تَعَلَّم أبناؤنا أن الدين تربية على الأخلاق وإصلاح للنية ابتعدوا كل البعد

عن التطرف

التطرف يأتي من توجيه الفرد نيته لإصلاح الآخرين بدل إصلاح نفسه…فتغيب عنه الحكمة و يسقط في المنازعة

كل الخير يأتي من أن نربي أبناءنا على أن الدين حياة للقلوب وأن التدين الصادق يورث أخلاقا كريمة

الهمسة الثامنة : كلام في العقوبة

قال : حدثني عن العقوبة و هل هي منافية للرحمة ؟

… قلت: دعني أحدثك عن العقوبة

 لا أجد من المتخصصين من ينفي أهمية العقوبة في تربية الأطفال

قال : هل تقصد ضرب الأبناء؟

قلت : ضرب الأبناء أمر يتنافى وأصول التربية الصالحة فضره أكبر من نفعه والأجدر تركه والابتعاد عنه

قال: فما المقصود بالعقوبة؟

…قلت: يقصد المتخصصون بالعقوبة تعليم الأبناء تحمل مسؤولية أفعالهم وتصرفاتهم

فالعقوبة مصاحبة للألم و الألم الذي يربي شخصية الأبناء هو الألم الناتج عن وعي الأبناء بتفريطهم وعدم اتخاذهم القرار الصائب

العقوبة بهذا المعنى حوار و تواصل مع الأبناء

وعلى قدر التفريط في الواجبات تكون العقوبة

كل الضرر يأتي من المبالغة في معاقبة أبنائنا

قال: وكيف تكون العقوبة إذن؟

قلت: العقوبة تأخذ شكل التنبيه والتوجيه والإرشاد وإظهار عدم الرضا وقد تصل إلى الحرمان من بعض الامتيازات التي يحبها الأبناء

كما يجب أن تكون العقوبة مناسبة لعمر الأبناء… كلما كبر الأبناء أصبحت العقوبة تنبيها وتوجيها و إرشادا وإظهارا لعدم الرضا عوض اللجوء إلى الحرمان

وأساس إصلاح العقوبة لسلوك الأبناء أن يفهموا أخطاءهم و يتعلموا منها

دورنا كآباء أن نرحمهم ونحن نعاقبهم وأن نجعلهم يحسون بأن أخطاءهم نتيجة قراراتهم وأفعالهم وبأنهم إن غيروا قراراتهم وأفعالهم تغيرت سلوكاتهم

الهمسة السابعة : قيمة الرحمة

قال : هل سمعت عن ظاهرة ترك الأبناء لآبائهم في دور المسنين ما عهدنا هذا في الأولين

… لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم…

…فقلت : دعني أحدثك عن أصل ذلك

…الرحمة إذا فُقِدت في تربية الأبناء، فُقِدت عندما يحتاجها الآباء

…فاقد الشيء لا يعطيه

قال : وكيف نربي أبناءنا على خلق الرحمة؟

قلت: الرحمة أسلوب التربية … نربي أبناءنا و نحن لهم راحمون، نعاقبهم بالرحمة، نقوِّم أخطاءهم بالرحمة… نرحمهم و هم صغار … ونرحمهم هم يكبرون

…الرحمة خلق ترجمانه تقبل الآخر و تقبل ضعفه، والإيمان بنيته الحسنة و رعايته

الرحمة بهذه المعاني نعلمها لأبنائنا برحمتهم و رعايتهم، وتقبلهم، وتقبل ضعفهم و الإيمان بأن نيتهم أصلها خير

كل الخير يأتي من رحمة الصغار… فإذا كبرنا خفضوا لنا جناح الرحمة و جنينا ثمرة ما غرسنا